وكالة مهر للأنباء: تشير التطورات الأخيرة إلى أن طهران تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة تقوم على ربط أمن الملاحة الإقليمية بإخراج القوى الأجنبية من المنطقة، معتبرة أن الوجود العسكري الأمريكي كان على مدى العقود الماضية عاملاً رئيسياً في إنتاج الأزمات وعدم الاستقرار.
رسالة 30 أبريل: إعلان مرحلة جديدة
في الثلاثين من أبريل 2026، وبمناسبة «يوم الخليج الفارسي»، وجّه قاىد الثورة الإسلامية آية الله مجتبى خامنئي رسالة حملت دلالات سياسية واستراتيجية لافتة، إذ تحدث فيها عن «مرحلة جديدة» تتشكل في منطقة الخليج الفارسي ومضيق هرمز، مؤكداً أن مستقبل المنطقة يجب أن يكون بعيداً عن الوجود الأمريكي.
الرسالة لم تُقرأ داخل إيران بوصفها خطاباً رمزياً فحسب، بل باعتبارها إعلاناً عن انتقال طهران من سياسة الدفاع ورد الفعل إلى سياسة إدارة التوازنات الإقليمية بصورة أكثر مباشرة. كما عكست رؤية إيرانية تعتبر أن أمن الخليج الفارسي لا يمكن أن يتحقق عبر التحالفات العسكرية الخارجية، وإنما من خلال ترتيبات إقليمية تشارك فيها دول المنطقة نفسها.
مضيق هرمز في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية
ضمن هذا السياق، ينظر صانع القرار الإيراني إلى مضيق هرمز باعتباره جزءاً من الأمن القومي الإيراني، وليس مجرد ممر اقتصادي دولي. وقد عبّر عن هذه الرؤية عدد من المسؤولين الإيرانيين، من بينهم محمد بهرامي سيف آبادي، عضو لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، الذي اعتبر أن تثبيت السيادة الإيرانية على المضيق يمثل «واجباً وطنياً واستراتيجياً».
هذا الخطاب يعكس تداخلاً واضحاً بين البعد الجيوسياسي والبعد العقائدي في السياسة الإيرانية، حيث يجري تقديم السيطرة على المضيق باعتبارها جزءاً من حماية الاستقلال الوطني ومواجهة الضغوط الغربية.
لماذا يصعب تغيير المعادلة في هرمز؟
رغم التفوق العسكري الأمريكي والغربي في مجالات القوة الجوية والبحرية، فإن الخصوصية الجغرافية لمضيق هرمز تمنح إيران أوراق ضغط يصعب تجاهلها. فالساحل الإيراني الممتد على طول الخليج الفارسي، إضافة إلى انتشار المنظومات الصاروخية والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة، خلق بيئة ردع معقدة تجعل أي مواجهة مباشرة ذات كلفة مرتفعة.
وتقوم العقيدة العسكرية الإيرانية في الخليج الفارسي على مبدأ «الإنهاك غير المتماثل»، أي استخدام أدوات منخفضة الكلفة نسبياً مقابل منصات عسكرية عالية الكلفة لدى الخصوم. ولذلك، ترى طهران أن أي محاولة لفرض حصار بحري شامل أو تقويض نفوذها في المضيق ستؤدي تلقائياً إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط عالمياً.
ومن هذا المنطلق، تعتبر إيران أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي مورست ضدها خلال الأشهر الماضية لم تحقق أهدافها الأساسية، بل دفعت الأسواق الدولية إلى إدراك أن استقرار تجارة الطاقة في الخليج الفارسي لا يمكن فصله عن التفاهم مع طهران.
«الإدارة الجديدة» للمضيق
الحديث الإيراني المتزايد عن «قواعد ملاحة جديدة» يعكس رغبة في الانتقال من مرحلة الردع العسكري إلى مرحلة صياغة ترتيبات أمنية إقليمية أكثر ثباتاً. وتقوم هذه الرؤية على عدة مرتكزات:
تعزيز التعاون الإقليمي بعيداً عن الهيمنة الخارجية.
ربط أمن الخليج الفارسي بالأمن الجماعي لدول المنطقة.
حماية المكتسبات الاستراتيجية الإيرانية، بما في ذلك البرنامج النووي والتقدم التكنولوجي.
ترسيخ البعد التاريخي والهوية السياسية للخليج الفارسي بوصفه مجالاً حيوياً لدول المنطقة.
وفي هذا الإطار، تحاول طهران تقديم نفسها بوصفها قوة قادرة على ضمان أمن الملاحة، وليس فقط قوة ردع عسكرية.
خاتمة
تكشف تطورات عام 2026 أن مضيق هرمز بات أكثر من مجرد ممر مائي حساس؛ إنه ساحة اختبار لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الخليج الفارسي. وبينما تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها سياسة الضغط والحصار، تراهن إيران على الجغرافيا، وعلى شبكة الردع التي بنتها خلال السنوات الماضية، لفرض معادلة جديدة عنوانها أن أمن الخليج الفارسي لا يمكن أن يُدار من خارج المنطقة.
وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة للرؤية الإيرانية، فإن المؤكد أن أي تحول في معادلات مضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة العالمي، وعلى مستقبل التوازنات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط بأسره.
بقلم: سبطين الجبوري، الخبير الأول في الشؤون السياسية و الدولية
تعليقك